مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

315

تفسير مقتنيات الدرر

عظمها . وارتفاعها ومن التشبيه تبيّن أنّ الموج لم يكن واحدا بل كان كثيرا . وروي أنّ الماء ارتفع فوق كلّ جبل عال ثلاثين ذراعا . وقيل : إنّ السفينة سارت لعشر مضين من رجب ، فسارت ستّة أشهر ، فطافت الأرض كلَّها لا تستقرّ في موضع حتّى أتت الحرم فطافت بموضع الكعبة أسبوعا ، ثمّ سارت بهم حتّى انتهت إلى الجوديّ . ومن المعلوم أنّ الأمواج العظيمة في البحر لا تحدث إلَّا بعد هبوب رياح عاصفة ، وحدوث هول عظيم والفزع . ثمّ * ( [ نادى نُوحٌ ابْنَه ُ ] ) * يا بنيّ * ( [ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ ] ) * من السفينة وإنّه كان يظنّ أنّ الجبل يمنعه عن الغرق . وقيل : إنّه كان بمعزل أي في معزل من الكفّار ، وإنّه انفرد عنهم . فظنّ نوح أنّ ذلك إنّما كان لأنّه أحبّ مفارقتهم فطمع في إيمانه وركوبه معه ، ولهذه الجهة ناداه ، وإلَّا لما قال : « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » « 1 » كيف يناديه مع كفره ؟ بل قيل : إنّه كان ينافق أباه فظنّ نوح أنّه مؤمن ولولا ذلك لما أحبّ نجاته . والقول الصحيح أنّه كان ابن امرأته « 2 » ، ويروى أنّ عليّا عليه السّلام قرأ : ونادى نوح ابنها . قال الباقر عليه السّلام : إنّه كان ابن امرأته . قال قتادة : سألت الحسن البصريّ عنه فقال : واللَّه ما كان ابنه ، فقلت إنّ اللَّه حكى عنه قال : إنّ ابني من أهلي وأنت تقول : ما كان ابنا له ؟ فقال الحسن : لم يقل : إنّه منّي ولكنّه قال : من أهلي وهذا يدلّ على قولي وابن المرأة يدعى بالابن . وبالجملة فأجابه ابنه فقال : سأرجع وأستقرّ إلى جبل يمنعني من الماء . قال نوح : * ( [ لا عاصِمَ ] ) * ولا مانع ولا دافع اليوم من عذاب اللَّه إلَّا من رحمه اللَّه بإيمانه فآمن باللَّه يرحمك ، فما قبل قول نوح * ( [ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ ] ) * فصار كنعان وقيل : اسمه يام * ( [ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ] ) * . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 44 ] وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) قال اللَّه للأرض : انشفي ماءك الَّذي نبعت به العيون ، واشربي ماءك حتّى لا يبقى على وجهك شيء منه . وهذا إخبار عن ذهاب الماء عن وجه الأرض بأوجز مدّة فجرى مجرى

--> ( 1 ) نوح : 27 . ( 2 ) رواه القمي في تفسيره عن العلاء عن الصادق عليه السّلام .